فصل: تفسير الآية رقم (244):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (243):

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)}
فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم. والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين. ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى {ألم تر} بجزم الراء، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لان الأصل ألم ترء. وقصة هؤلاء أنهم قوم من بنى إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها داوردان فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى. قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا: نأتى أرضا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمر بهم نبى فدعا الله تعالى فأحياهم.
وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام.
وقيل: سبعة، والله أعلم. قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم.
وقيل: إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم، قيل: كان اسمه شمعون.
وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى.
وقيل: إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شي، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، قال الضحاك. قال ابن عطية: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليرواهم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجهاد، هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف الآية.
قوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} قال الجمهور: هي جمع ألف. قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف.
وقيل: كانوا ثمانين ألفا. ابن عباس: أربعين ألفا. أبو مالك: ثلاثين ألفا. السدى: سبعة وثلاثين ألفا.
وقيل: سبعين ألفا، قال عطاء ابن أبى رباح. وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا، وثمانية آلاف، رواه عنه ابن جريج. وعنه أيضا ثمانية آلاف، وعنه أيضا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى: {وَهُمْ أُلُوفٌ} وهو جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف.
وقال ابن زيد في لفظة ألوف: إنما معناها وهم مؤتلفون، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. فألوف على هذا جمع آلف، مثل جالس وجلوس. قال ابن العربي: أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم، وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. قال مجاهد: إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون أنهم كانوا موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. ابن جريج عن ابن عباس: وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بنى إسرائيل إلى اليوم.
وروى أنهم كانوا بواسط العراق. ويقال: إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم.
الثانية: قوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ} أي لحذر الموت، فهو نصب لأنه مفعول له. و{مُوتُوا} أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حكى أن ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين {مُوتُوا}، والله أعلم.
الثالثة: أصح هذه الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا، فدعا الله نبى من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله.
وقال عمرو بن دينار في هذه الآية: وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي، قال: فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم.
وقال الحسن: خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفا.
قلت: وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية. فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبى وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر الوجع فقال: «رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه» وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال: حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر الطاعون فقال: «بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بنى إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها» قال: حديث حسن صحيح. وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة، روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبى عبيدة معروفة، وفيها: أنه رجع.
وقال الطبري: في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقى المكاره قبل نزولها، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا».
قلت: وهذا هو الصحيح في الباب، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام رضي الله عنهم، وقد قال عمر لابي عبيدة محتجا عليه لما قال له: أفرارا من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل. فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قال إلكيا الطبري: ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نهى عن الفرار منه لان الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال: ما فر أحد من الوباء فسلم، حكاه ابن المدائني. ويكفى في ذلك موعظة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} ولعله إن فر ونجا يقول: إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده. وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه، ولما فيه من تخلية البلاد: ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتى لهم ذلك، ويتأذون بحلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين. وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان، وفى الدخول عليه الهلاك، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول: لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بى مكروه. فهذه فائدة النهى عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود: الطاعون فتنة على المقيم والفار، فأما الفار فيقول: فبفراري نجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهى عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوباء: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه». وسيل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يكره الخروج منها؟ فقال: ما أرى بأسا خرج أو أقام.
الرابعة: في قوله عليه السلام: «إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه». دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه، والله أعلم.
الخامسة: في فضل الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من الطعن، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء، قاله الجوهري. ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قالت: الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: «غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط». قال العلماء: وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين، كما قال معاذ في طاعون عمواس: إنه شهادة ورحمة لكم ودعوه نبيكم، اللهم أعط معاذا واهلة نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قلابة: قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم؟ فسألت عنها فقيل: دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف». وفى البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الطاعون فأخبرها نبى الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثله أجر الشهيد». وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: «الطاعون شهادة والمطعون شهيد». أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد. وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث، والله أعلم.
السادسة: قال أبو عمر: لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع، فكان إذا جمع صاحوا به: فر من الطاعون! فمات بالسيالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن على الفقيمي في ذلك:
ولما استفز الموت كل مكذب ** صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرو

وذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع حاديا يحدو خلفه:
لن يسبق الله على حمار ** ولا على ذى منعة طيار

أو يأتي الحتف على مقدار ** قد يصبح الله أمام الساري

وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سكر. فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك ابن مروان. فقال له عبد العزيز: ما أسمك؟ فقال له: طالب بن مدرك. فقال: أو هـ ما أراني راجعا إلى الفسطاط! فمات في تلك القرية.

.تفسير الآية رقم (244):

{وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}
قوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)} هذا خطاب لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي ينوي به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كله سبيل، قال الله تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي}. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا.
وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بنى إسرائيل، روى عن ابن عباس والضحاك. والواو على هذا في قوله: {وَقاتِلُوا} عاطفة على الامر المتقدم، وفى الكلام متروك تقديره: وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. قال النحاس: {وَقاتِلُوا} أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به، وقال الطبري: لا وجه لقول من قال: إن الامر بالقتال للذين أحيوا. والله أعلم.

.تفسير الآية رقم (245):

{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)}
فيه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق- إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك- حرض على الإنفاق في ذلك. فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله، فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة. ومن رفع بالابتداء، وذا خبره، والذي نعت لذا، وإن شئت بدل. ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه. أخبرنا الشيخ الفقيه الامام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة- أعادها الله- في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة منى عليه قال: أخبرنا أبى إجازة قال: قرأت على أبى بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبى عبد الله بن سعدون سماعا عليه، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة، قال: أنبأنا عمى أبو زكريا يحيى ابن زكريا قال: حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح: يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» قال: أرني يدك قال فناوله، قال: فإنى أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة.
ثم جاء يمشى حتى أتى الحائط وام الدحداح فيه وعياله، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: أخرجي، قد أقرضت ربى عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة.
وقال زيد بن أسلم: لما نزل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قال أبو الدحداح: فداك أبى وأمي يا رسول الله! إن الله يستقرضنا وهو غنى عن القرض؟ قال: «نعم يريد أن يدخلكم الجنة به». قال: فإنى إن أقرضت ربى قرضا يضمن لي به ولصبيتى الدحداحة معى الجنة؟ قال: نعم قال: فناولني يدك، فناوله رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضا لله تعالى. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك» قال: فأشهدك يا رسول الله أنى قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: «إذا يجزيك الله به الجنة». فأنطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهى مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:
هداك ربى سبل الرشاد ** إلى سبيل الخير والسداد

بيني من الحائط بالوداد ** فقد مضى قرضا إلى التناد

أقرضته الله على اعتمادي ** بالطوع لا منّ ولا ارتداد

إلا رجاء الضعف في المعاد ** فارتحلي بالنفس والأولاد

والبر لا شك فخير زاد ** قدمه المرء إلى المعاد

قالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
بشرك الله بخير وفرح ** مثلك أدى ما لديه ونصح

قد متع الله عيالي ومنح ** بالعجوة السوداء والزهو البلح

والعبد يسعى وله ما قد كدح ** طول الليالي وعليه ما اجترح

ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «كم من عذق رداح ودار فياح لابي الدحداح».
الثانية: قال ابن العربي: انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما، فتفرقوا فرقا ثلاثة:
الفرقة الأولى الرذلى قالوا: إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذى لب، فرد الله عليهم بقوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ}.
الفرقة الثانية لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال، فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت أحدا، تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار.
الفرقة الثالثة لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: {قَرْضاً حَسَناً} القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء. وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه، قال الشاعر وهو لبيد:
وإذا جوزيت قرضا فاجزه ** إنما يجزى الفتى ليس الجمل

والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي. واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فاقرضني. واقترضت منه أي أخذت القرض.
وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيئ، قال أمية:
كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا ** أو سيئا ومدينا مثل ما دانا

وقال آخر:
تجازى القروض بأمثالها ** فبالخير خيرا وبالشر شرا

وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ. واصل الكلمة القطع، ومنه المقراض. وأقرضته أي قطعت له من مالى قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: انقطع أثرهم وهلكوا. والقرض هاهنا: اسم، ولولاه لقال هاهنا إقراضا. واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغنى الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء، حسب ما يأتي بيانه في براءة إن شاء الله تعالى. وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم، وفى سبيل الله بنصرة الدين. وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف سقيك وأنت رب العالمين!؟ قال: استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي». وكذا فيما قبل، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به.
الرابعة: يجب على المستقرض رد القرض، لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء. وفي الخبر: «النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر» على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ} الآية.
وقال هاهنا: {فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً} وهذا لا نهاية له ولا حد.
الخامسة: ثواب القرض عظيم، لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه. خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «رأيت ليلة اسرى بى على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لان السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة». قال حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال: كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتد عليه فقضاه، فكأن علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال: أقرضني ألف درهم إلى عطائي، قال: نعم وكرامة! يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك، قال: فجاءت بها فقال: أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا قال: فلله أبو ك؟ ما حملك على ما فعلت بى؟ قال: ما سمعت منك، قال: ما سمعت منى؟ قال: سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» قال: كذلك أنبأني ابن مسعود.
السادسة: قرض الآدمي للواحد واحد، أي يرد عليه مثله ما أقرضه. وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف- كما قال ابن مسعود- أو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه، لأن ذلك من باب المعروف، استدلالا بحديث أبى هريرة في البكر: «إن خياركم أحسنكم قضاء» رواه الأئمة: البخاري ومسلم وغيرهما. فأثنى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. وكذلك قضى هو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البكر وهو الفتى المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا، والخيار: المختار، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة، لأنه يلقى فيها رباعيته وهى التي تلى الثنايا وهى أربع رباعيات- مخففة الباء- وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم.
السابعة: ولا يجوز أن يهدى من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك، بهذا جاءت السنة: خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبى إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدى إليه؟ قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك».
الثامنة: القرض يكون من المال- وقد بينا حكمه- ويكون من العرض، وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إنى قد تصدقت بعرضي على عبادك».
وروى عن ابن عمر: أقرض من عرضك ليوم فقرك، يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتى يوم القيامة موفر الأجر.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى، وروى عن مالك. ابن العربي: وهذا فاسد، قال عليه السلام في الصحيح: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» الحديث. وهذا يقتضى أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجرى مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للآدمي.
التاسعة: {حَسَناً} قال الواقدي: محتسبا طيبة به نفسه.
وقال عمرو ابن عثمان الصدفي: لا يمن به ولا يؤذى.
وقال سهل بن عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضا.
العاشرة: قوله تعالى: {فَيُضاعِفَهُ لَهُ} قرأ عاصم وغيره {فَيُضاعِفَهُ} بالألف ونصب الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء. وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء. فمن رفعه نسقه على قوله: {يُقْرِضُ} وقيل: على تقدير هو يضاعفه. ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء.
وقيل: بإضمار أن والتشديد والتخفيف لغتان. دليل التشديد {أَضْعافاً كَثِيرَةً} لان التشديد للتكثير.
وقال الحسن والسدي: لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده، لقوله تعالى: {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}. قاله أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، وكنا نحسب والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف.
الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ} هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، وقد أتينا عليهما في شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وعيد، فيجازى كلا بعمله.